السيد عبد الأعلى السبزواري

390

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

التفسير قوله تعالى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً . مادة ( ود د ) تأتي بمعنى المحبة وتستعمل في التمني أيضا ، لأنه مشتمل على المحبة ومتضمن لها . أي : تمنى كثير من اليهود والنصارى أن يرجعوكم عن دينكم ويردونكم إلى الكفر ، كما قال تعالى : وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ [ سورة آل عمران ، الآية : 63 ] . قوله تعالى : حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ . الحسد تمني زوال نعمة عمن يستحقها سواء أرادها لنفسه أولا ، بخلاف الغبطة التي هي تمني مثل تلك النعمة للنفس من دون إرادة زوالها عن الغير . والأول مذموم ، والثاني محمود ، فعن نبينا الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « المؤمن يغبط ، والمنافق يحسد » وفي الحديث القدسي : « المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون » . والمعنى : أن حبهم لإضلالكم عن الإيمان ، وإرجاعكم إلى الكفر سببه الحسد الكائن في نفوسهم من بعد ظهور الحق بأن محمدا ( صلّى اللّه عليه وآله ) هو النبي الموعود المبشّر به في كتبهم ، وإتمام الحجة عليهم بالآيات التي أتى بها . وفي قوله تعالى : مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ إيماء إلى أن ما يصدر عنهم إنما هو من سوء سرائرهم وفساد أخلاقهم لا أن يكون عن غبطة لحق ، أو غيرة عليه ، أو شبهة ونحو ذلك . والآية المباركة تشير إلى أمر طبيعي ، وهو أن كل طائفة إذا اعتنق أفرادها أمرا وصار ذلك الأمر مألوفا عندهم يحبون أن يكون غيرهم على طريقتهم ، لا سيما إذا وجد ما يخالف ذلك القديم فيتصدون له ويعارضونه بكل ما أمكنهم وينتهي ذلك إلى الحسد الكائن في النفوس فيكون ذلك من عند أنفسهم بعد ظهور الحق . وفي قوله تعالى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إشارة إلى هذا الأمر الطبيعي المغروس في الفطرة في بداية ظهوره ، كما أن في قوله